The Agent 8019
مُقدمة
صدأ القلوب وذاكرة الزيت
![]() |
يقولون إن الأحلام تُبنى من طموح، لكنهم نسوا أن في أزقة الفقراء، تُبنى الأحلام من عظامِ أصحابها.
ثمة نوع من الصمت لا يفهمه إلا من دفن طموحه بيده ليعيش الآخرون. هو صمتٌ يشبه رائحة الزيت المحروق في ورشات الميكانيك، يلتصق بالجلد، يتسلل إلى الرئتين، ويصبغ الروح بلونٍ لا يمحوه الزمن. سامر لم يكن مجرد شابٍ ترك مقاعد الدراسة، كان مشروعاً لمهندسٍ سرقه "العرف"، واغتاله "الواجب"، وواراه الثرى جحودُ أقرب الناس إليه.
بين يديه الخشنتين اللتين اعتادتا ترويض المحركات، كانت هناك قصةٌ مخبؤه لقلبٍ رقيق، آمن بأن الأخوة رباطٌ مقدس لا يقطعه مالٌ ولا جاه. لم يكن يعلم أن أخته "أسماء"، التي مسح دموعها بقميصه الملطخ بالبؤس، ستكبر لتخجل من ملمس يده، وأن الطبيبة التي سهر لينير دربها، ستجِدُ في ضوئها عاراً يسمى "أخي الميكانيكي".
هذه ليست مجرد حكاية عن الفقر والشقاء، بل هي رحلة في دهاليز النفس البشرية حين تتصادم فيها التضحية المطلقة مع الأنانية المفرطة، وحين يتقاطع قدر عامل بسيط مع عالم "هيثم" المظلم وابنته "سوزان"، حيث الغموض لا يقل قسوةً عن الفقر، والمال لا يحمي دائماً من الموت.
في هذه الرواية، سنعرف كيف يمكن لآلةٍ صدئة أن تحكي تاريخ عائلة، وكيف يمكن لسنوات العمر الضائعة أن تعود لتطالب بحقها، ليس بالانتقام.. بل بالحقيقة.
الفصل الأول: "حلمٌ مؤجل.. وقدرٌ مُعجل"
كان هواء العاصمة في ذلك المساء ثقيلاً، محملاً برائحة الغبار وضجيج السيارات التي لا تهدأ. في زاوية ضيقة من "حي الأمل" —الذي لم يكن له من اسمه نصيب سوى الأماني المعلقة— كان "سامر" يجلس على شرفة منزلهم المتهالكة، يضع أمامه كتاب الفيزياء كأنه كنزٌ ثمين.
كان سامر، ابن الثامنة عشرة، يمتلك عينين تلمعان بذكاء حاد، يراقب حركة الأشياء من حوله بمنظور المهندس؛ يحلل سرعة الرياح التي تداعب غسيل الجيران، ويدرس زوايا سقوط الضوء من عمود الإنارة المكسور. بالنسبة له، العالم ليس مجرد شوارع ضيقة، بل هو معادلات تنتظر حلاً.
"سأبني لكِ قصراً يا أسماء.. ليس قصر رمال، بل بناية حقيقية لا تهزها الريح."
قالها سامر وهو يداعب رأس أخته الصغيرة أسماء (6 سنوات)، التي كانت تلعب بدمية ممزقة بجانبه. ضحكت الطفلة ببراءة وهي لا تدرك أن هذا الشاب الذي يقابلها يرى فيها "مشروعه الأكبر" في الحياة.
قطع حبل أفكاره صوت سعال حاد قادم من الداخل. دخل سامر ليجد والده "علي" مستلقياً على فراشه، ملامحه ذابلة كقطعة جلد جففها الشقاء. علي، الرجل الذي قضى عمره حمالاً في الأسواق ومساعداً في البناء، كان ينظر إلى ابنه بنظرة ممزوجة بالفخر والأسى.
"سامر.. يا ولدي،" همس علي بصوت متهدج، "المعلم فايز سأل عنك اليوم، قال إنك عبقري في الرياضيات. لا تدع هذا الحي يبتلعك كما ابتلعني.. كن مهندساً يا بني، ارفع رأس أختك."
حبس سامر غصة في حلقه وهو يمسك يد والده الخشنة: "سأفعل يا أبي، الموعد قريب، سأدخل الجامعة وسأجعلك ترتاح من هذا التعب."
لكن القدر كان يكتب فصلاً آخر في تلك الليلة. لم يكن السعال مجرد نزلة برد، بل كان صرخة الجسد الأخيرة. قبل الفجر بساعة، وفي صمت الحي الموحش، سكنت أنفاس علي للأبد، تاركاً خلفه ابناً مكسور الجناح، وطفلة يتيمة، وفتات خبز لا يكفي ليومين.
في العزاء، لم يكن الحزن هو الضيف الوحيد، بل حضر "العرف العائلي" ببدلته القاتمة وقراراته الصارمة. وقف العم طلال، صاحب ورشة تصليح السيارات، يمسك بكتف سامر أمام المعزين. كان طلال رجلاً عملياً، يرى الحياة من خلال عدسة الربح والخسارة.
"اسمع يا سامر،" قال طلال بنبرة لا تقبل النقاش، "البكاء لن يشتري الحليب لأسماء، والكتب لن تدفع إيجار هذا البيت. أنت الآن الرجل، وعليك أن تختار: إما أحلام الورق والجوع، أو ورشتي.. حيث تتعلم مهنة تحميك وتحمي أختك."
نظر سامر إلى المعلم إبراهيم (مدرس الفيزياء) الذي كان يقف بعيداً ونظرات الحزن تملأ عينيه، كأنه يرى خسارة موهبة فذة. ونظر إلى أسماء التي كانت تتشبث بقميصه برعب.
في تلك اللحظة، شعر سامر وكأن جداراً من الأسمنت يُبنى حول قلبه. تقدم نحو حقيبته المدرسية، أخرج منها دفتره الذي كتب عليه "المهندس سامر علي"، ونظر إليه نظرة وداع طويلة، قبل أن يغلقه ويضعه في أسفل الخزانة.
"سأذهب معك إلى الورشة غداً يا عمي،" قالها بصوت ميت، "لكن بشرط.. أسماء لن تترك مدرستها، ستصبح هي الطبيبة التي فشلتُ أنا في أن أكون مهندسها."
نهاية الفصل: في الصباح التالي، وقف سامر أمام باب ورشة العم طلال. خلع قميصه الأبيض النظيف، وارتدى "عفريتة" العمل الزرقاء الملطخة بالشحم. عندما غمس يده في زيت المحرك لأول مرة، لم يشعر ببرودته، بل شعر بحلمه يتسرب من بين أصابعه ليغوص في أرض الورشة السوداء.
الفصل الثاني: "صدأ المعدن.. ونقاء الروح"
مرت ثلاث سنوات على ذلك الصباح الذي ارتدى فيه سامر ثياب العمل الزرقاء. لم تعد يداه ناعمتين كما كانت؛ بل غطتها الندوب وسكن الشحم تحت أظافره ليصبح جزءاً من هويته الجديدة. ورشة العم طلال لم تكن مجرد مكان للعمل، كانت سجناً اختاره سامر طواعية، حيث يدفن ذكاءه في أحشاء المحركات المتعطلة.
في زاوية مظلمة من الورشة، كان سامر يفكك محرك سيارة قديمة، حين حجب ظلٌ ضوء الشمس المنبعث من الباب. رفع رأسه ليمسح العرق عن جبينه بيده الملطخة، ليتفاجأ بالمعلم فايز.
وقف معلم الرياضيات ببدلته المهندمة التي بدت غريبة في هذا المكان المليء بالروائح النفاذة. كانت نظراته تتنقل بين وجه سامر الشاحب والمعدات المحيطة به، وكأنه يرى لوحة فنية أفسدتها الأتربة.
"سامر.. أهذا أنت؟" سأل فايز بنبرة يملؤها العتب.
ابتسم سامر ابتسامة باهتة: "أهلاً يا أستاذ فايز.. كما ترى، المعادلات هنا تُحل بمفاتيح الربط لا بالأقلام."
تقدم فايز خطوة، وأخرج من حقيبته ورقة مطوية بعناية: "لقد صدرت نتائج المنح الجامعية يا سامر. اسمك لا يزال مسجلاً في ذاكرة النظام، وأنا لا أزال أؤمن بك. الحياة لا تتوقف بوفاة أحد، حتى لو كان الأب. يمكنك العمل والدراسة معاً، لا تترك حلمك للصدأ!"
تصلبت ملامح سامر، ونظر إلى أسماء التي كانت تجلس في زاوية بعيدة من الورشة تراجع دروسها الابتدائية تحت ضوء مصباح شحيح.
"لا يا أستاذ.. الحلم رفاهية لا أملك ثمنها،" قال سامر بحزم، "أسماء هي مستقبلي الوحيد. إذا انقسم تركيزي بين الكتب والعمل، ستضيع هي. سأبقى هنا حتى أراها طبيبة، وحتى يزفها رجل يصونها.. حينها فقط، قد أفكر في نفسي."
حاول فايز الاعتراض، لكن سامر قاطعه بحدة هادئة: "انتهى الأمر يا أستاذ. شكراً لزيارتك."
بينما كان فايز يهم بالخروج، توقفت سيارة سوداء فارهة ذات زجاج داكن أمام باب الورشة. لم تكن من نوع السيارات التي يراها أهل هذا الحي الفقير عادة. نزل منها رجل غريب، يرتدي معطفاً طويلاً رغم حرارة الجو النسبية، ملامحه حادة ولا توحي بالود.
لم يتحدث الرجل مع العم طلال، بل اتجه مباشرة نحو سامر. وضع على الطاولة قطعة ميكانيكية غريبة الشكل، لم يرَ سامر مثلها من قبل، بدت وكأنها جزء من جهاز تشفير أو محرك لطائرة مسيرة.
سمعت أنك الأفضل في التعامل مع القطع المعقدة،" قال الغريب بصوت خفيض يشبه فحيح الأفعى، "أصلح هذه.. ولا تسأل عما تفعله، وسيكون المقابل ما يكفيك لتعليم أختك في أرقى الجامعات.
ارتبك سامر، ونظر إلى القطعة التي كانت تحمل شعاراً غامضاً محفوراً بدقة (مثلث داخل دائرة مكسورة). قبل أن ينطق بكلمة، وضع الرجل رزمة من المال بجانب القطعة واختفى بسرعة كما ظهر، تاركاً خلفه سحابة من الغبار وتساؤلات لا تنتهي.
وقف العم طلال يراقب المشهد من بعيد بعينين يملؤهما القلق، بينما أحس سامر ببرودة غريبة تسري في جسده. هل كان هذا المال طوق نجاة لأسماء، أم أنه بداية الغرق في عالم لا يعرف عنه شيئاً؟
في تلك الليلة، وبينما كان سامر يحاول فهم تركيب القطعة الغامضة، لاحظ ورقة صغيرة سقطت من حقيبة الغريب، مكتوب عليها بخط اليد: "الهدف يقترب.. سوزان يجب أن تختفي."
اتسعت عينا سامر ذهولاً. من هي سوزان؟ وما علاقة ميكانيكي فقير بمؤامرة تبدو أكبر من خياله؟ أغلق باب الورشة بإحكام، وشعر لأول مرة أن "العرف العائلي" لم يكن السجن الوحيد، بل هناك سجون أخرى تُبنى له الآن من خلف الزجاج الداكن.
الفصل الثالث: "تقاطع النيران.. وظلال القصور"
في الطرف الآخر من المدينة، حيث لا تصل رائحة الزيت، كانت الأسوار العالية تحيط بقصر "هيثم"، لم يكن مجرد منزل، بل كان حصناً يعج بالكاميرات والحراس. في الداخل، كان هيثم يقف خلف مكتبه الفاخر، عيناه تلاحقان شاشات المراقبة بقلقٍ لا يليق برجل في نفوذه.
"سوزان، هل حزمتِ أمتعتكِ؟" سأل هيثم بصوتٍ أجش وهو يلتفت لابنته.
كانت سوزان (16 عاماً) تجلس بتمرد، ترتدي زي مدرستها الخاصة، وشعرها يتطاير بعشوائية تعكس عنادها. "لن أذهب يا أبي! مللتُ من الهروب من مدرسة إلى أخرى ومن سجن إلى آخر. من هؤلاء الذين يخيفونك إلى هذا الحد؟"
اقترب هيثم منها، وفي عينيه مزيج من الحب والرعب، شركائي السابقون لا يعرفون الرحمة، يا ابنتي. أنتِ نقطة ضعفي الوحيدة، والآن بعد أن تعطل "جهاز التتبع المشفر" في سيارتك المصفحة، أصبحتِ هدفاً سهلاً. يجب أن نرسلكِ إلى المدرسة الداخلية في الجبل فوراً.
في ورشة العم طلال
كان سامر يحدق في القطعة الغامضة التي تركها الرجل الغريب. ذكاؤه الهندسي الفطري جعله يدرك أنها ليست قطعة ميكانيكية عادية؛ إنها وحدة إرسال تعمل بنظام ترددات معقد. وبسبب فضوله الذي لم يمت، استطاع إعادة تشغيلها لثوانٍ معدودة.
فجأة، ظهرت إحداثيات على شاشة صغيرة مدمجة بالقطعة، وصوت تشويش انتهى بجملة مقتضبة: "التحرك عند التقاطع الرابع.. السيارة السوداء."
تصبب سامر عرقاً. تذكر الورقة التي سقطت: "سوزان يجب أن تختفي". نظر إلى الشارع، ليرى سيارة سوداء فارهة تمر بسرعة جنونية من أمام الورشة، وخلفها سيارتان دفع رباعي تطاردانها.
"أسماء! ادخلي إلى الغرفة الداخلية ولا تخرجي!" صرخ سامر وهو يختطف مفتاح تشغيل دراجة نارية قديمة كان يعمل على إصلاحها.
"إلى أين أنت ذاهب يا سامر؟" صرخ العم طلال، لكن سامر كان قد انطلق بالفعل. لم يكن يعرف من هي سوزان، لكنه عرف شيئاً واحداً: هناك روح مهددة، وهو الوحيد الذي يملك "المفتاح" لفهم ما يحدث.
مشهد المواجهة
عند تقاطع الطرق المؤدي إلى الطريق السريع، انحرفت سيارة سوزان المصفحة بعد أن صدمتها إحدى سيارات المطاردة. توقفت السيارة بعنف، وخرج منها الحراس لتبدأ مواجهة بالأسلحة.
وصل سامر بدراجته، مختبئاً خلف حاوية شحن قريبة. رأى الفتاة سوزان تقبع في المقعد الخلفي، وجهها شاحب وخصلات شعرها الذهبية ملتصقة بجبهتها من الخوف. رأى أحد المهاجمين يقترب من بابها وبيده عبوة لاصقة.
بسرعة المهندس، أدرك سامر أن العبوة ستعطل نظام القفل المركزي المصفح. لم يتردد؛ قذف بمفتاح ربط حديدي ثقيل كان في جيبه نحو يد المهاجم بدقة متناهية، مما أربكه وأخر انفجار العبوة لثوانٍ.
في تلك اللحظة، وصلت تعزيزات "هيثم" التي استدعاها عبر جهاز طوارئ بديل. انسحب المهاجمون بسرعة، لكن قبل أن يغادروا، التقت عينا سامر بعيني سوزان من خلف الزجاج المكسور جزئياً.
كانت نظرة لم ينسَها؛ نظرة فتاة رأت في هذا الشاب الملطخ بالشحم بطلاً لم تكن تتوقع وجوده في هذه الأحياء المنسية.
نهاية الفصل
عاد سامر إلى الورشة، يلهث وقلبه يكاد يقفز من صدره. وجد العم طلال ينتظره بملامح غاضبة ومرعوبة في آن واحد.
"ماذا فعلت يا سامر؟ هؤلاء القوم ليسوا من ثوبنا! التدخل في شؤونهم يعني الموت!"
لم يرد سامر، بل اتجه إلى حقيبته وأخرج القطعة الغامضة التي أصلحها. الآن فهم؛ هذه القطعة هي التي كانت "تخون" سيارة سوزان وترسل إحداثياتها للمهاجمين.
بينما كان يهم بتحطيمها، رن هاتف الورشة الأرضي. رفعه العم طلال بيد ترتجف، ثم مدّه لسامر وهو يهمس: "إنه هو.. الرجل صاحب المعطف."
جاء الصوت من الطرف الآخر بارداً وممياً: "لقد أديتَ عملاً رائعاً .. لقد أنقذتَ ابنة هيثم، والآن.. لقد أصبحتَ جزءاً من اللعبة، شئتَ أم أبيت."
الفصل الرابع: "قضبانُ الجحود.. ومحركاتُ الصمت"
مرت السنوات كأنها دهور. نجحت خطة سامر، لكنه دفع ثمنها من ملامحه وشبابه. "أسماء" الطفلة التي كان يمسح غبار الشارع عن ثوبها، أصبحت الآن "الدكتورة أسماء". كان سامر يراقبها من بعيد وهي تخرج من جامعتها بملابسها الأنيقة، بينما يختبئ هو في ورشته، يغسل يديه من الشحم لمرات عديدة قبل أن يجرؤ على لمس حقيبتها الطبية، خوفاً من أن يلوث نجاحها ببؤسه.
بدأت أسماء تبتعد، المكالمات أصبحت قصيرة، والزيارات صارت "واجبات" ثقيلة، كانت قد بدأت تواعد "مازن"، ابن أحد الوزراء، ولم تجرؤ يوماً على ذكر أن شقيقها "ميكانيكي"؛ بل كانت تدّعي أنه "مهندس يعمل في مشاريع خاصة بعيدة". سامر، بقلبه الطيب، لم يشكّ بشيء، كان يظن أن ضغط العمل في المستشفى هو ما يسرقها منه.
الفخ
في ليلة ممطرة، وبينما كان سامر يهم بإغلاق الورشة، وجد سيارة سوداء مألوفة تنتظره. لم يكن يعلم أن شركاء هيثم قرروا التخلص من "الشاهد الوحيد" الذي يفهم تقنياتهم.
دُسّت في ورشته حقيبة تحتوي على أموال مسروقة وسلاح ناري استُخدم في عملية اغتيال شخصية سياسية مرموقة هزت المدينة قبل ساعات. لم يستغرق الأمر سوى دقائق حتى اقتحمت قوات الشرطة المكان.
"سامر علي.. أنت قيد الاعتقال بتهمة القتل العمد وحيازة أسلحة غير مرخصة."
سقطت الأصفاد على رسغيه الخشنين. بحثت عيناه عن عمه طلال، لكنه وجد العم واقفاً في الزاوية، يرتجف خوفاً، غير قادر على نطق كلمة واحدة للدفاع عنه.
خلف الأسوار
بقي سامر بالسجن سنتين تحت ذمة التحقيق المعقد. الجريمة كانت "مفصلة" على مقاسه بدقة هندسية لا تترك مجالاً للبراءة.
في السجن، كان سامر عالماً في بحر من المجرمين، حاولوا استدراجه للصراعات، لكنه كان يملك درعاً وحيداً: صمته. لاحظ "العقيد منصور"، مدير السجن المعروف بصرامته وتقديره للذكاء، أن هذا السجين ليس كالبقية. لم يكن يطلب شيئاً، ولم يشتكِ من أحد، بل كان يقضي وقته في رسم مخططات ميكانيكية على جدران زنزانته باستخدام قطع الفحم.
ذات يوم، تعطلت سيارة العقيد منصور الخاصة، وهي سيارة نادرة تعجز ورشات المدينة عن فهم تعقيداتها. عرض سامر إصلاحها.
"إذا فشلت يا سامر، سأعيدك إلى الزنازين الانفرادية،" قال العقيد بنبرة متحدية.
رد سامر بهدوء: "وإذا نجحت يا سيدي، على ماذا سأحصل؟
العقيد : "لك ما تطلبه"
سامر: " أريد فقط أن أعمل في كراج الآليات.. بعيداً عن ضجيج البشر."
في بضع ايام متتالية وارهاق العمل بأصلاح السيارة ، كان المحرك يزأر كأنه خرج من المصنع للتو. ذُهل العقيد وصرخ قائلاً : "انك ذو فكر وعقل راجح"، ومنذ ذلك اليوم، أصبح سامر "سيد الكراج" في السجن. لم يعد سجيناً عادياً، بل أصبح الرجل الذي يعيد الحياة للحديد الميت، بينما كانت حياته هو تموت ببطء خارج الأسوار.
الصدمة المريرة
في نهاية السنة الثانية، وبينما كان سامر ينتظر زيارة أسماء لتخبره عن تقدم قضيتهم، جاءه عمه طلال بملامح منكسرة.
سأل سامر بلهفة : "أين أسماء يا عمي؟ ولماذا لم تأتِ المحامية التي وعدتني بها؟" .
طأطأ طلال رأسه: أسماء.. أسماء تزوجت يا ولدي. تزوجت من ذلك الشاب ابن رجل ذو منصب رفيع. لقد أخبرت الجميع أنك "قريب غائب في بعثة دراسية"، وطلبت مني ألا أخبرك بموعد الزفاف خوفاً من أن تُعرف حقيقتك في تلك الأوساط.
توقفت عقارب الساعة في قلب سامر. الحديد الذي كان يصلحه بدا أهون بكثير من قلب أخته الذي أصابه الصدأ. سنتان من السجن بتهمة لم يرتكبها، وعمر كامل من التضحية، لينتهي به الأمر "عاراً" يجب إخفاؤه.
نهاية الفصل: نظر سامر إلى يديه المليئتين بجروح العمل وسنوات السجن، ثم نظر إلى صورة أسماء الصغيرة التي كان يحتفظ بها في جيبه. ببرود شديد، أحرق الصورة بولاعة صغيرة، وقال للعقيد الذي كان يراقب افعاله ويتكلم معه بشؤونه الخاصة وعن غياب من كان يزوره فقال له مدير السجن: لنعيد تفاصيل تلك الاحداث لعل نجد لك ذاك الدليل لنخرجك من فوهة السجن هذه . فاخبره بجميع تلك التفاصيل وبقي مدير السجن يفكر كثيراً بها ولم يجد حلاً .
مضت أيام كثيرة ولم يجلس سامر مع مدير السجن وقبل نهاية العام جاء العقيد منصور ليخبر سامر بأنه قد اصبح خارج السجن بكفالة شخصية منه ليستطيع سامر حل لغز تلك الجريمة بمساعدة العقيد منصور
قال سامر : " سيدي، التحقيق انتهى؟ أليس كذلك؟ غداً سأخرج من هنا، لكن سامر الذي دخل السجن، لن يخرج أبداً."
الفصل الخامس: "ظلال العودة.. وأقنعة الخيانة"
خرج سامر من بوابة السجن المركزية. لم يكن يحمل سوى حقيبة صغيرة، ونظرة حادة لم تكن موجودة من قبل. لم ينتظره أحد عند الباب، ولم يطلب هو من أحد الحضور. تنفس هواء الحرية، لكنه وجده مُراً، بطعم الغبار والخذلان.
لم يتوجه سامر إلى منزل أخته، ولا إلى ورشة عمه. استأجر غرفة صغيرة في حي بعيد، وبدأ يراقب "أسماء" من المسافات. رآها تخرج من فيلا فاخرة، تركب سيارة فارهة، وتبتسم لزوجها "مازن". لكن الصدمة التي هزت كيانه كانت حين سمعها في الحديقة العامة تنادي طفلها الصغير: "سامر! تعال إلى هنا يا صغيري".
تسمر سامر خلف شجرة بعيدة. لقد أسمت طفلها على اسمي! لماذا؟ هل هو شعور بالذنب؟ أم محاولة لترميم ثقب في ذاكرتها؟ انهمرت دمعة وحيدة مسحها بسرعة؛ فالحب الذي يحمله لها بات مشوباً بالحذر، خاصة بعد أن لمح مازن يتحدث بهمس مريب مع رجلٍ كان سامر قد رأى صورته في ملفات "المغضوب عليهم" داخل مكتب مدير السجن.
لقاء الأرواح المكسورة
في ليلة باردة، وبينما كان سامر يعمل في ورشة سرية جهزها له العقيد منصور (مدير السجن) لمتابعة قضايا تقنية خاصة بالدولة، ظهرت سوزان. لم تكن تلك الطفلة الخائفة، بل شابة يلفها الغموض، تبحث عن إجابات لأسئلة لم يجرؤ أحد على طرحها.
"لماذا أنقذتني ذلك اليوم؟ ولماذا دخلت السجن بصمت؟" سألت سوزان وهي تقف وسط الأدوات الحديدية.
نظر إليها "سامر" ببرود، ثم ألقى أمامها ملفاً قديماً: "دخلتُ السجن لأنني أصلحتُ قطعة لم أكن أعرف أنها صاعق لاغتيال والدك، ولأن من وضعها في ورشتي كان يخطط لموتكما معاً."
شحب وجه سوزان: "من؟ أبي أخبرني أنك مجرد ميكانيكي تورط في صراع عصابات."
اقترب سامر منها، وصوته يشبه حفيف الشجر: "الحقيقة يا سوزان أن عالم والدك هو الذي سرق مني عمري. والأسوأ.. أن الرجل الذي يمسك بيد أختي الآن، "مازن"، ليس إلا الوجه الناعم للمنظمة التي تريد رأس والدك ورأسك.
سقطت الكلمات على سوزان كالصاعقة. الحقيقة كانت أبشع مما تخيلت، وسامر لم يعد ذلك "البطل الصدفه"، بل أصبح الرجل الذي يعرف كل شيء.
اللقاءات السرية
لم تكن سنتان في كراج السجن ضياعاً؛ فقد أصبح سامر "عيناً" للأمن. تحت إشراف العقيد منصور، بدأ سامر بعقد لقاءات سرية في أماكن غير متوقعة مع ضباط كبار في مكافحة الفساد والإرهاب.
كان سامر يفكك شفرات الأجهزة التي يعثر عليها الضباط، وفي المقابل، كان يحصل على معلومات عن تحركات "مازن" وشبكة النفوذ التي تحيط بأخته.
في أحد اللقاءات، قال له أحد الجنرالات: "سامر، أنت الآن تعمل في المنطقة الرمادية". إذا كُشفت، فلن يعترف بك أحد. رد سامر وهو يركب قطعة إرسال دقيقة: "لقد متُّ مرة واحدة في السجن يا سيدي"، والموتى لا يخافون من فقدان الهوية. أريد حماية أختي من زوجها، وحماية هذه المدينة من أمثال هيثم ومازن.
نهاية الفصل
بينما كانت سوزان تغادر الورشة، التفتت لسامر وقالت: "سأساعدك.. ليس من أجل أبي، بل لأنني الوحيدة التي تدرك حجم الظلم الذي تعيشه."
بقي سامر وحيداً، ينظر إلى شاشة الحاسوب التي تظهر تحركات سيارة "مازن". وفجأة، ظهرت إشارة حمراء تومض بسرعة؛ هناك عملية ستنفذ الليلة، والهدف ليس هيثم هذه المرة.. بل اجتماع طبي يحضره "الدكتورة أسماء".
أطبق سامر قبضته على مفتاح الربط، وهمس: "لقد أعطيتكِ حياتي يا أسماء، ولن أسمح لهم بأخذها منكِ الآن."
الفصل السادس: "وليمةُ الذئاب.. وظلُّ الحارس"
في قاعة المؤتمرات الكبرى بوسط العاصمة، كانت الأضواء تتلألأ والوجوه تبتسم خلف أقنعة الدبلوماسية. كانت "أسماء" تقف في أبهى حلتها، تشرح للحاضرين عن بحثها الطبي الجديد، بينما كان زوجها "مازن" يقف في الزاوية، يراقب ساعته بقلق مريب، وعيناه لا تفارق مدخل القاعة.
بعيداً عن الأضواء، في زقاق خلفي مظلم، كانت دراجة نارية تقف بصمت، نزع سامر خوذته، ووضع سماعة الأذن الصغيرة التي تربطه بـ العقيد منصور.
سامر، الهدف تحرك. هناك عبوة حرارية وضعت في نظام التكييف المركزي للقاعة، سيتم تفعيلها بمجرد خروج "مازن" ومن معه من الشخصيات المهمة. إنهم يضحون بالبقية لتغطية أثرهم، وأختك من ضمنهم، جاء صوت العقيد حازماً ومرعباً.
أجاب سامر بصوت مخنوق: "لن يخرج أحد من هناك قبل أن أُعطل النظام. سوزان، هل أنتِ في موقعك؟"
"أنا في غرفة التحكم بالطابق السفلي،" أجابت سوزان عبر اللاسلكي، "لكن الحراس في كل مكان، سامر.. إذا كُشفنا، لن يرحمنا والدي ولا مازن".
المواجهة الصامتة
تسلل سامر عبر أنابيب التهوية، مستخدماً مهاراته الميكانيكية التي صقلها الشقاء. كان يتحرك كشبح، يدرك أماكن الكاميرات التي علّمه إياها الضباط الكبار. وصل إلى لوحة التحكم الرئيسية، وبدأ بفك الأسلاك المعقدة. كانت العبوة ليست مجرد متفجرات، بل "تحفة" تقنية تشبه تلك القطعة التي رآها قبل سنوات في ورشته.
"مازن.. أنت من دبرت كل شيء،" همس سامر وهو يقطع سلكاً أحمر بدقة جراح.
في تلك اللحظة، فتح باب الغرفة بقوة. لم يكن حارساً، بل كان مازن نفسه، وبيده مسدس كاتم للصوت.
"كنت أعلم أنك ستأتي يا مهندس الورش، قال مازن بسخرية باردة، "ظننت أن السجن سيؤدبك، لكنك لا تزال تحشر أنفك فيما لا يعنيك، أسماء تعتقد أنك ميت أو تائه، وسأجعل اعتقادها حقيقة اليوم"
لم يرتجف سامر. نظر إلى مازن بعينين باردتين كالفولاذ: "لقد أعطيتها اسمي لتفتخر به، وأعطيتك أنتَ الأمان لتصونها، لكنك اخترت أن تكون حطباً لنار شركائك. القاعة مؤمنة الآن، والشرطة في الطريق."
الحقيقة الصادمة لأسماء
بينما كان الصراع يحتدم في القبو، تعطلت شاشات العرض الكبيرة في قاعة المؤتمر فجأة. بدلاً من عرض البحث الطبي، ظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة للقبو بفعل اختراق قامت به سوزان.
بقيت أسماء في مكانها. رأت زوجها "الراقي" يرفع سلاحه في وجه رجل يرتدي ملابس سوداء.. رجل لم تخطئ عيناها في تمييز ملامحه رغم سنوات السجن والتعب.
صرخت أسماء في القاعة، ليسقط الميكروفون من يدها محدثاً ضجيجاً صاعقاً "سامر؟".
في القبو، وقع اشتباك سريع. استخدم سامر مفتاح ربط حديدياً كان في جيبه لضرب يد مازن قبل أن يطلق النار، وفي تلك اللحظة اقتحمت قوات التدخل السريع المكان بقيادة العقيد منصور.
لقاء بعد العاصفة
تم إخلاء القاعة واعتقال مازن وشبكته بتهمة الإرهاب والفساد. وقفت أسماء في الممر الخارجي، ترتجف من الصدمة، لتجد سامر يخرج من الباب الجانبي، ملطخاً ببعض الغبار، تماماً كما كان في طفولتهما.
تقدمت نحوه ببطء، والدموع تنهمر على وجنتيها: "سامر.. أخي.. أنا.."
لم يتركها تكمل. نظر إليها نظرة طويلة، نظرة خلت من العتاب وامتلأت بمرارة لا توصف. وضع في يدها قلادة صغيرة كانت قد أضاعتها وهي طفلة واحتفظ بها طوال سنوات سجنه.
"دكتورة أسماء،" قالها بجمود أحرق قلبها، "ابنك يحمل اسمي، علِّميه أن يرفعه بصدق، لا بكذبة. لقد انتهت مهمتي هنا."
نهاية الفصل: الغموض يتضاعف
بينما كانت أسماء تنهار باكية، ركب سامر خلف سوزان على دراجتها النارية وانطلقا في ليل العاصمة، "إلى أين الآن؟" سألته سوزان وهي تزيد من سرعة المحرك.
أجاب سامر وهو ينظر إلى ملف سري أخذه من جيب مازن أثناء الاشتباك: "إلى والدك يا سوزان" . مازن لم يكن إلا بيدقاً، والملك الحقيقي لا يزال يجلس في قصره.. "هيثم" لديه الكثير ليفسره عن موت والدي في ذلك الحادث القديم.
اتسعت عينا سوزان خلف خوذتها. اللعبة لم تنتهِ، بل بدأت للتو لتكشف أن "العرف العائلي" لم يكن وحده من ظلم سامر، بل كانت هناك مؤامرة عمرها عشرون عاماً.
الفصل السابع: "عرين الأسد.. وشفرة الموت"
قصر هيثم وفي منتصف الليل بدا كأنه قلعة مهجورة، لكن سامر كان يعلم أن الجدران لها آذان وكاميرات. دخل من الباب الأمامي هذه المرة، ليس كعامل ميكانيك، بل كشخص يملك مفاتيح النجاة والدمار. كانت سوزان تمشي بجانبه، وجهها شاحب، فهي لا تدري إن كانت تقود سامر إلى حتفه أو تقود والدها إلى السجن.
في المكتب الفخم، كان هيثم يجلس وخلفه لوحة زيتية ضخمة، وبيده سيجاره الفاخر. "لقد سببتَ لي الكثير من المتاعب يا سامر،" قال هيثم بنبرة هادئة مرعبة، "أنقذتَ ابنتي مرة، ودمرتَ صهري في المرة الثانية. ماذا تريد الآن؟"
تقدم سامر ووضع ملفاً قديماً على المكتب، ملفاً استخرجه من خزانة مازن السرية. "أريد الحقيقة فقط" . والدي لم يمت بحادث عرضي في البيت قبل عشرين عاماً. لقد كان يعمل على سيارتك، واكتشف شيئاً لم يكن يجب أن يراه.. أليس كذلك؟
ارتجفت يد هيثم للحظة، لكنه استعاد قناعه البارد: "والدك كان رجلاً طيباً، لكنه فضولي أكثر من اللازم. بعض الأسرار ثمنها الحياة."
المهمة السرية: "نبض الراديو"
بينما كان سامر يواجه هيثم جسدياً، كان عقله يعمل مع العقيد منصور وفريق العمليات الخاصة. قبل دخوله القصر، زرع سامر جهاز تنصت "نانوي" من ابتكاره داخل ردهة القصر، وهو جهاز لا يلتقط الأصوات فحسب، بل يفك تشفير إشارات اللاسلكي القريبة.
في أذنه، جاء صوت العقيد منصور عبر سماعة مخفية: "سامر، استمر في الضغط عليه. نحتاج منه أن يجري اتصالاً واحداً فقط عبر هاتفه المشفر لنحدد موقع 'فريق الظل'."
سامر ببرود: "أتعلم ؟" ان مازن لم يكن يعمل وحده. لقد ترك خلفه شفرة تشغيل لمجموعة اغتيال تُسمى 'الفيلق'. والهدف القادم ليس أنت.. بل اللواء كمال، مدير الشرطة انذاك.
تغيرت ملامح هيثم تماماً، سقط السيجار من يده. "أنت مجنون! إذا لمسوا شعرة من اللواء كمال، ستحترق المدينة بمن فيها!"
اندفع هيثم نحو هاتفه السري ليجري اتصالاً محذراً أو مستفسراً، وهذا كان الفخ.
كشف الحقيقة المبهمة
في تلك اللحظة، وعلى شاشة صغيرة في معصم سامر، بدأت البيانات تتدفق. "لقد فعلها يا سيدي،" همس سامر للميكروفون المخفي.
التقط سامر إشارة صادرة من القصر إلى إحداثيات في منطقة جبلية مهجورة. لم تكن هذه مكالمة عادية، بل كانت "أمر تفعيل". فريق الاغتيال لم يكن ينوي الانتظار؛ لقد صدرت الأوامر بالفعل للتحرك نحو موكب اللواء كمال.
سوزان صرخت وهي تنظر لوالدها: "أبي! هل كنت تعرف؟ هل كنت جزءاً من التخطيط لقتل ضابط برتبة عالية؟"
هيثم وهو ينهار على كرسيه: "لم أكن أريد هذا.. لقد أجبروني.. هم يملكون تسجيلات تدينني بمقتل والد سامر منذ عشرين عاماً. كنت عبداً لابتزازهم!"
بداية المطاردة
نظر سامر إلى هيثم باحتقار: "سوف تتحاسب على موت والدي لاحقاً. الآن، هناك أرواح ستزهق بسببي."
التفت سامر إلى سوزان: " ابقي هنا وقومي بتعطيل نظام الحماية الخارجي للقصر عندما تصل الشرطة. أنا ذاهب خلف الإشارة."
خرج سامر مسرعاً، وفي الخارج كان العقيد منصور بانتظاره في سيارة عمليات مدججة بالتقنيات. "سامر، الفريق الذي كشفته هو أخطر فريق اغتيالات في المنطقة. الوصول إليهم في مخبئهم الجبلي هو انتحار، لكننا نحتاج لذكائك التقني لتعطيل اتصالاتهم قبل التنفيذ.
نهاية الفصل: نذير العاصفة
بينما كانت السيارة تنطلق بسرعة جنونية نحو الجبال، فتح سامر جهازه اللوحي ليرى نقاطاً حمراء تتحرك نحو مسار موكب اللواء.
"سيدي العقيد،" قال سامر وصوته يرتجف لأول مرة، "فريق الاغتيال ليس لديهم أسلحة قنص فقط.. لديهم طائرة مسيرة انتحارية يتم التحكم بها عبر قمر صناعي. إذا لم نصل إلى محطة البث خلال ساعة، فلن يتبقى من الموكب شيء."
في هذه الأثناء، كانت أسماء في بيتها، تنظر إلى ابنها "سامر الصغير" وتضم قلادة أخيها إلى صدرها، وهي لا تعلم أن شقيقها الميكانيكي البسيط يخوض الآن حرباً تكنولوجية ستحدد مصير البلاد.
الفصل الثامن: "رياحُ الجبل.. وصراعُ الترددات"
كان الظلام في المنطقة الجبلية المحيطة بالعاصمة دامساً، لا يكسره إلا وميض أضواء سيارات العمليات الخاصة البعيدة. في غرفة خلفية داخل شاحنة تقنية مجهزة، كان سامر يجلس أمام ست شاشات متصلة ببعضها، وأصابعه تتحرك بسرعة البرق على لوحة المفاتيح.
"سامر، الموكب العسكري للواء كمال سيدخل 'منطقة الظل' بعد عشر دقائق،" جاء صوت العقيد منصور عبر اللاسلكي، "في تلك المنطقة، تنقطع اتصالاتنا الأرضية، وسيكون الموكب تحت رحمة الطائرة المسيرة التي كشفتها."
رد سامر وعرقه يتصبب على شاشة حاسوبه: "سيدي، لقد رصدتُ إشارة التحكم. إنها تعمل بتردد متذبذب يصعب اختراقه، لكنني أحتاج إلى 'برج تقوية' قريب لرفع قوة الإرسال الخاصة بي وتشويش إشارتهم."
المواجهة في المخبأ الجبلي
بينما كان سامر يحاول الاختراق، كانت قوة من الكوماندوز تتسلل نحو قمة الجبل حيث يختبئ "فريق الظل". لم يكونوا مجرد قتلة، بل كانوا مهندسين ومبرمجين محترفين يعملون لصالح المنظمة التي كان "مازن" جزءاً منها.
فجأة، انطلقت الطائرة المسيرة من منصة مخفية بين الصخور. كانت صغيرة، صامتة، ومحملة بمتفجرات تخترق الدروع.
"لقد انطلقت!" صرخ سامر. "سوزان، هل تسمعينني؟ أحتاج الوصول إلى قمر اصطناعي خاص بوالدك، لديه قناة تشفير قديمة قد تفي بالغرض."
على الطرف الآخر، كانت سوزان داخل مكتب والدها المحطم نفسياً، تحاول فك شفرة النظام: "أنا أحاول يا سامر! لكن النظام يطلب بصمة صوت والدي."
التفت سامر إلى هيثم الذي كان مقيداً بجانبه تحت حراسة مشددة. نظر سامر في عيني الرجل الذي قتل والده وقال بصرامة: "هيثم، هذه فرصتك الوحيدة لتكفير ولو عن جزء بسيط مما فعلت. أعطِ سوزان بصمتك الصوتية، وإلا سيُقتل اللواء كمال وستغرق ابنتك في الدماء معي."
بيد مرتجفة وصوت منكسر، أعطى هيثم الأوامر الصوتية للنظام. فُتحت القناة.
الحرب الإلكترونية
بمجرد انفتاح قناة التشفير، وجد سامر نفسه وجهاً لوجه مع مبرمج "فريق الظل". كانت المعركة تدور في الفضاء الرقمي؛ أكواد برمجية تتصادم، ومحاولات اختراق متبادلة.
"إنه قوي،" همس سامر لنفسه، "لكنه لا يفهم في الميكانيكا مثلي."
قام سامر بخدعة عبقرية؛ بدلاً من محاولة إيقاف الطائرة، قام بإرسال أمر برمجي يجعل المحرك الخاص بالطائرة يسخن بشكل مفرط عبر التلاعب بصمام الوقود الإلكتروني. في عالم البرمجة، ظن القاتل أن سامر يحاول تغيير المسار، فصب كل جهده في حماية "إحداثيات المسار"، تاركاً "بروتوكول تبريد المحرك" مكشوفاً.
لحظة الانفجار
في سماء الجبل، وعلى بُعد أمتار قليلة من سيارة اللواء كمال، بدأت الطائرة المسيرة تهتز. احمرّ محركها الصغير من شدة الضغط الحراري الذي أرسله سامر. وفجأة، وقبل أن تصل للهدف بثوانٍ، انفجرت الطائرة في الهواء كألعاب نارية، مخلفةً دوياً هائلاً تردد صداه في الوديان.
توقف الموكب العسكري فوراً، وانتشر الجنود، بينما كان سامر في الشاحنة يتنفس الصعداء، وقد سقط رأسه على لوحة المفاتيح من شدة الإرهاق.
نهاية الفصل: القاتل الخفي
بينما كانت قوات العقيد منصور تداهم مخبأ الجبل، هرب قناص واحد من "فريق الظل" عبر نفق سري. ترك خلفه رسالة مشفرة وصلت لهاتف سامر الشخصي فور اتصاله بالشبكة:
"أحسنت يا بشمهندس.. لقد أنقذت الجنرال اليوم، لكنك كشفت لنا عن أعظم سلاح تملكه الدولة: أنت. نراك في الفصل العاشر."
أغلق سامر هاتفه، ونظر إلى العقيد منصور الذي دخل الشاحنة ليضع يده على كتفه بفخر. "لقد فعلتها يا سامر. البلاد تدين لك بحياة اللواء."
رد سامر بهدوء: "أريد فقط رؤية أسماء وابنها.. أريد أن أتأكد أنها بعيدة عن بقايا ظل مازن."
الفصل التاسع: "نزيفُ الوفاء.. وصدى الوصية"
بعد انفجار الطائرة المسيرة، لم تنتهِ المعركة كما ظن الجميع. في قلب الفوضى الجبلية، وبينما كان سامر يترجل من شاحنة العمليات ليتفقد إشارة تقنية أخيرة، انطلقت رصاصة غادرة من بين الصخور الصماء.
"سامر! انبطح!" صرخ العقيد منصور، لكن الرصاصة كانت أسرع.
اخترقت الرصاصة الأولى قدم سامر اليسرى، ليسقط على ركبتيه بصرخة مكتومة. وقبل أن يستوعب الصدمة، دوت طلقة ثانية استقرت في كتفه الأيمن، ليرتد جسده إلى الخلف مصطدماً بتراب الجبل البارد. كانت الدماء الساخنة تنزف منه، تصبغ قميصه وتختلط بتراب الأرض التي طالما حلم ببناء نهضتها.
في غياهب اللاوعي
بينما كان سامر مستلقياً على ظهره، يراقب النجوم التي بدأت تتراقص أمام عينيه بفعل النزيف، تلاشى ضجيج الرصاص من حوله. ساد صمت غريب، وفجأة، سمع صوتاً يعرفه أكثر من نفسه.
"سامر.. يا ولدي."
كان صوت والده علي، هادئاً، حنوناً، وبعيداً كأنه آتٍ من زمن آخر. رأى خيال والده يحنو عليه، يمسح على جبينه المتصبب عرقاً.
"تذكر يا بني.. أسماء أمانة. لا تترك يدها وإن أفلتت هي يدك. كُن مهندس حياتها حتى لو تهدمت جدران حياتك. القوة ليست في السلاح يا سامر، القوة في الوفاء للوعد."
همس سامر بشفاه جافة: "لقد فعلت يا أبي.. لقد صنتُ الأمانة."
الصراع على الجسد المنهك
قطع هذا الحلم صوت أقدام ثقيلة تقترب. كان أحد أفراد "فريق الظل" الناجين، ضخم الجثة، مقنع الوجه، يحمل غلاً دفيناً. اقترب من سامر وأمسكه من ساقه المصابة بعنف، وبدأ بسحبه نحو المنحدر الجبلي المظلم.
"أنت ثمين جداً لتموت هنا يا مهندس،" زمجر الرجل بصوت خشن، "المنظمة تريد عذلك لتعمل لصالحها، سجوننا أضيق من سجون حكومتك."
تأوه سامر من الألم، وحاول المقاومة بيده اليسرى السليمة، لكن قواه كانت تخونه. كان يسحب خلفه خطاً من الدماء القانية على الصخر.
الإنقاذ في اللحظة الأخيرة
فجأة، انشق ظلام الليل عن وميض رصاصات دقيقة. فريق الكوماندوز التابع للعقيد منصور، الذي كان يمشط المنطقة، رصد المحاولة. رصاصة قناص محترفة استقرت في رأس عضو الخلية، ليسقط جثة هامدة فوق سامر.
اندفع المسعفون والجنود نحو سامر. "لدينا إصابة! نحتاج إخلاءً طبياً فورياً!" صرخ أحد الجنود وهو يضع عاصبة على قدم سامر ليوقف النزيف.
حملوا سامر على المحفة، وبينما كان يُنقل نحو المروحية الطبية، فتح عينيه للحظة ليرى العقيد منصور يقف فوقه بوجه شاحب.
"تمسك يا سامر.. لا تمت الآن، البلاد ما زالت بحاجة إليك، وأختك تنتظرك،" قال العقيد وهو يمسك بيده.
ابتسم سامر ابتسامة وهن، وهو يشعر بالقلادة التي كانت في جيبه تضغط على صدره. غاب عن الوعي وهو يردد جملة واحدة: "لقد أوفيتُ بالوعد يا أبي.."
نهاية الفصل: القلق القاتل
في المستشفى العسكري، وتحت حراسة مشددة لم يسبق لها مثيل، نُقل سامر إلى غرفة العمليات. وفي الخارج، كانت أسماء قد وصلت، تنهار بالبكاء وهي تصرخ في وجه الحراس: "هذا أخي! أنا طبيبة، اسمحوا لي بالدخول!"
بجانبها، كانت سوزان تقف صامتة، تنظر إلى دماء سامر الملطخة على ملابسها، مدركة أن هذا الشاب الفقير قد دفع ثمن أخطاء والدها وأخطاء العالم بأسره من جسده النحيل.
الفصل العاشر: "ولادةٌ من رَحِم الوجع"
دوت أصوات المروحيات في سماء العاصمة معلنةً بدء العملية الكبرى "تطهير الظل". بتعاون استخباراتي بين سامر (قبل إصابته) والعقيد منصور، تم حصار الخلية في مخبئها الأخير. لم تكن مواجهة سهلة، لكن القضاء عليهم كان حتمياً. وبموت آخر قناص في الخلية، أُغلقت صفحة الإرهاب الذي هدد البلاد لسنوات.
لكن الثمن كان باهظاً؛ فقبل ساعات من الهجوم، وُجد هيثم ميتاً في زنزانته إثر أزمة قلبية حادة، وكأن قلبه لم يحتمل ثقل أسرار الماضي وخوفه على ابنه سوزان. مات هيثم حاملاً معه أسراره، لكنه ترك خلفه ابنةً قررت أن تختار طريقاً مختلفاً تماماً عن طريق والدها.
في غرفة العناية المركزة
كان الصمت يطبق على المكان، لا يقطعه إلا رنين أجهزة قياس نبضات القلب. كان سامر يرقد بجسدٍ أرهقته الرصاصات، يصارع للبقاء في تلك المنطقة الرمادية بين الحياة والموت.
بجانب سريره، كانت أسماء جثية على ركبتيها، تمسك بيده المضممدة وتغسلها بدموع الندم. لم تعد "الدكتورة أسماء" الراقية، بل عادت تلك الطفلة الصغيرة التي فقدت حاميها.
"سامر.. أرجوك استيقظ. أنا آسفة.. لعن الله المناصب والبيوت الفارهة إن كانت ستبعدني عنك. كيف خجلتُ من يدٍ كانت تمسح عني التعب؟ كيف نسيتُ أنك دفنت حلمك لتبني حلمي؟ سامر.. أخي.. لا تتركني وحيدة مرة أخرى."
في تلك اللحظة، تحركت جفون سامر ببطء. فتح عينيه ليجد وجه أخته مغطى بالدموع. حاول الابتسام رغم الألم، وهمس بصوت واهن: "لا تبكي يا أسماء.. المهندس دائماً يعرف كيف يصلح الأشياء المكسورة.. حتى لو كانت قلوبنا."
بعد مرور عام: "لقاء الأرواح"
مر العام كأنه حلم جميل بعد كابوس طويل. تعافى سامر، وأصبح مستشاراً تقنياً رفيع المستوى لدى الدولة، لكنه لم يترك ورشته القديمة؛ بل حولها إلى مركز لتدريب الشباب الفقراء.
تزوج سامر من سوزان، المرأة التي فهمت صمته وعاشت معه تفاصيل الخطر. كانت سوزان قد تخلت عن ثروة والدها المشبوهة، وقررت أن تبدأ مع سامر حياة قوامها الصدق والتكفير عن الماضي.
في يوم ربيعي مشمس، اجتمعت العائلة في حديقة منزل سامر الجديد. كانت سوزان تحمل بين يديها طفلة صغيرة، تشبه عمتها أسماء بشكل مذهل.
أمسك سامر بالطفلة، ونظر إليها بحب كبير، ثم نادى بصوت عالٍ ملأ المكان: "أهلاً بكِ يا أسماء الصغيرة."
كانت أسماء (الأخت) تقف بعيداً، مترددة، فهي منذ خروجه من المستشفى كانت تعيش في "نفي" اختياري فرضه سامر عليها بهدوء، ليختبر صدق عودتها. حين سمعت اسم ابنة أخيها، تجمدت في مكانها. لقد أسمى ابنته على اسمها! لم ينسَها، لم يكرهها، بل أراد أن يخلد حبها في قلبه رغم كل ما حدث.
انفجرت أسماء بالبكاء وركضت نحو أخيها. ارتمت في حضنه وسط ذهول الحضور، وعانقها سامر بقوة، واضعاً يده على رأسها كما كان يفعل في طفولتهما فوق سطح منزلهم المتهالك.
"لقد عدتِ يا أسماء.. والآن، اكتملت عائلتنا،" همس سامر والدموع في عينيه.
الخاتمة
انتهت الرواية بمشهد يجمع سامر، سوزان، أسماء الأخت، والطفلة الصغيرة "أسماء"، مع العقيد منصور الذي كان يراقبهم من بعيد بابتسامة فخر.
في تلك اللحظة، أدرك الجميع أن "العرف العائلي" قد ظلمه يوماً، لكن "الوفاء العائلي" هو من أنقذه في النهاية. سامر لم يصبح مهندس ميكانيك بالشهادة الجامعية فقط، بل أصبح مهندس الأرواح، الذي استطاع ترميم كل ما حطمه الزمن.
فريق "ومضة فكر"

تعليقات
إرسال تعليق
شكراً لك على تعليقك